Middle East Business

الاستثمار في زمن التقلبات: الثبات بوعي يصنع النتائج

صورة المقال
 
 

الاستثمار في زمن التقلبات: الثبات بوعي يصنع النتائج

يشدد خبراء شركة "جانس هاندرسن" لإدارة الثروات على أن الاستمرار في الاستثمار خلال فترات تقلب الأسواق يُعد من الركائز الأساسية لتحقيق الأهداف طويلة الأجل، غير أن ذلك لا يعني تبني موقف سلبي قائم على الامتناع التام عن اتخاذ القرارات. وتوضح دراسة حديثة للشركة أن الإدارة الواعية للمحافظ الاستثمارية أثناء فترات التراجع يمكن أن تحد من آثار التقلبات، وتعزز قدرة المستثمرين على المضي قدماً بثقة واستقرار.

وفي هذا السياق، قال ماثيو بولوك، رئيس بناء المحافظ والاستراتيجيات لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى "جانس هاندرسن": إن الأسواق بطبيعتها تمر بدورات صعود وهبوط، وغالباً ما تحدث هذه التحركات دون مؤشرات مسبقة، ما يجعلها مصدر قلق للمستثمرين، رغم كونها جزءاً طبيعياً من ديناميكيات السوق. وأضاف أن كل موجة تراجع تُشعر المستثمرين بأنها مختلفة، إلا أن التجارب التاريخية تثبت أن الأسواق واصلت تحقيق النمو على المدى الطويل رغم تلك الانخفاضات.

وتُظهر البيانات التاريخية أن حالات تصحيح الأسواق، أي الانخفاض بنسبة 10% أو أكثر، تكررت بشكل ملحوظ منذ عام 1928، حيث تم تسجيل 56 حالة من هذا النوع. أما الأسواق الهابطة، التي تنخفض فيها الأسعار بنسبة 20% أو أكثر، فتحدث بمعدل مرة كل 4.3 سنوات تقريباً، ما يعني أن أي استثمار يمتد لخمس سنوات قد يشهد على الأرجح دورة هبوط واحدة على الأقل. وعلى الرغم من أن التراجعات لا تعني دائماً دخول الاقتصاد في حالة ركود، فإن الانخفاضات الحادة غالباً ما ترتبط بتباطؤ اقتصادي، وهو ما يزيد من حدة التراجع ويطيل أمده.

من جانبه، أوضح ماريو أغيلار دي إرماي، كبير استراتيجيي المحافظ الاستثمارية لدى الشركة، أن المستثمرين يميلون خلال فترات التقلب إلى البحث عن مؤشرات تدل على ركود اقتصادي، إلا أنه من الضروري التمييز بين حركة الأسواق والاقتصاد الفعلي. فالأسواق، باعتبارها آلية استشرافية، غالباً ما تبلغ أدنى مستوياتها خلال فترات الركود وليس بعد انتهائه، ما يجعل محاولة توقيت السوق استناداً إلى الانخفاضات أمراً محفوفاً بالمخاطر، وقد يؤدي إلى تفويت فرص التعافي.

وفيما يتعلق بكيفية التعامل مع فترات التراجع، يشير الخبراء إلى أهمية فهم ما يحدث بعدها، وليس فقط أثناءها. ويبرز هنا دور تنويع الاستثمارات عبر القطاعات المختلفة، إذ تختلف استجابة كل قطاع وفقاً لمراحل الدورة الاقتصادية. فالقطاعات الدفاعية، مثل الرعاية الصحية والسلع الأساسية والمرافق، تميل إلى تحقيق استقرار نسبي خلال فترات الانخفاض، في حين تقود القطاعات المرتبطة بالنمو الاقتصادي، مثل التكنولوجيا والخدمات المالية والعقارات، موجات التعافي مع تحسن الظروف.

كما تكتسب مسألة حجم الشركات أهمية خاصة، حيث يميل المستثمرون إلى توخي الحذر تجاه أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بسبب ارتفاع تقلباتها وتأثرها الأكبر بالاقتصاد المحلي ومحدودية مصادر تمويلها. ومع ذلك، فإن هذه الخصائص قد تجعلها أكثر قدرة على تحقيق انتعاش قوي عند تحسن الأوضاع الاقتصادية وعودة النشاط إلى الأسواق.

وتؤدي السندات دوراً محورياً في موازنة المحافظ الاستثمارية، إذ توفر قدراً من الاستقرار خلال فترات تراجع الأسهم، إلى جانب تقديم دخل ثابت نسبياً. ورغم أنها ليست محصنة ضد الخسائر، فإن السندات ذات الجودة الائتمانية المرتفعة أثبتت قدرتها على الصمود بشكل أفضل مقارنة بالأسهم في أوقات الانكماش.

ولا يقتصر الأمر على توزيع الأصول بين الأسهم والسندات، بل يمتد إلى ضرورة التنويع داخل فئة الدخل الثابت نفسها. ففي فترات التراجع، تميل السندات الحكومية والأدوات ذات الجودة العالية إلى توفير حماية أكبر، بينما تستعيد الأدوات الأعلى مخاطرة، مثل سندات الشركات، زخمها مع تحسن الدورة الاقتصادية، لتقود الأداء إلى جانب الأسهم.

ويؤكد الخبراء أن تبني نهج استثماري واضح ومنضبط في مواجهة التقلبات يمكن أن يحسن النتائج على المدى الطويل، والأهم أنه يساعد المستثمرين على الحفاظ على استمرارية استثماراتهم دون الانجرار وراء تقلبات السوق قصيرة الأجل.

وفي الختام، يشير بولوك إلى أن النتائج الاستثمارية تتحدد في نهاية المطاف من خلال تعاقب دورات الصعود والهبوط، حيث تُظهر البيانات أن فترات النمو أطول وأكثر قوة من فترات التراجع. وبينما يبقى خطر الخسارة قائماً، فإن خطر تفويت التعافي غالباً ما يكون أكبر. ويوصي بالعمل مع مستشار استثماري مؤهل والالتزام بخطة طويلة الأجل مدروسة، مؤكداً أن الامتناع عن إجراء تغييرات في بعض الأحيان قد يكون قراراً استراتيجياً بحد ذاته يدعم تحقيق الأهداف المالية.

 

التعليقات

أضف تعليقًا